أبي حيان الأندلسي

302

البحر المحيط في التفسير

والشجرة عناب ، أو عليق ، أو سمرة ، أو عوسج ، أقوال . وأن : يحتمل أن تكون حرف تفسير ، وأن تكون مخففة من الثقيلة . وقرأت فرقة : إِنِّي أَنَا ، بفتح الهمزة ، وفي إعرابه إشكال ، لأن إن ، إن كانت تفسيرية ، فينبغي كسر إني ، وإن كانت مصدرية ، تتقدر بالمفرد ، والمفرد لا يكون خبرا لضمير الشأن ، فتخريج هذه القراءة على أن تكون إن تفسيرية ، وإني معمول لمضمر تقديره : إني يا موسى أعلم إني أنا اللّه . وجاء في طه : نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ « 1 » ، وفي النمل : نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ « 2 » ، وهنا : نُودِيَ مِنْ شاطِئِ ، ولا منافاة ، إذ حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء . والجمهور : على أنه تعالى كلمه في هذا المقام من غير واسطة . وقال الحسن : ناداه نداء الوحي ، لا نداء الكلام . وتقدم الكلام على نظير قوله : وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ، ثم أمره فقال : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ، وهو فتح الجبة من حيث تخرج الرأس ، وكان كم الجبة في غاية الضيق . وتقدّم الكلام على : تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وفسر الجناح هنا باليد وبالعضد وبالعطاف ، وبما أسفل من العضد إلى الرسغ ، وبجيب مدرعته . والرهب : الخوف ، وتأتي القراءات فيه . وقيل : بفتح الراء والهاء : الكم ، بلغة بني حنيفة وحمير ، وسمع الأصمعي قائلا يقول : أعطني ما في رهبك ، أي في كمك ، والظاهر حمل : وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ على الحقيقة . قال الثوري : خاف موسى أن يكون حدث به سوء ، فأمره تعالى أن يعيد يده إلى جيبه لتعود على حالتها الأولى ، فيعلم موسى أنه لم يكن سوءا بل آية من اللّه . وقال مجاهد ، وابن زيد : أمره بضم عضده وذراعه ، وهو الجناح ، إلى جنبه ، ليخفف بذلك فزعه . ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يقوي قلبه . وقيل : لما انقلبت العصا حية ، فزع موسى واضطرب ، فاتقاها بيده ، كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له : أدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء لتظهر معجزة أخرى ، وهذا القول بسطه الزمخشري ، لأنه كالتكرار لقوله : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ . وقد قال هو والجناح هنا اليد ، قال : لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى ، فقد ضم جناحه إليه . وقيل : المعنى إذا هالك أمر لما يغلب من شعاعها ، فاضممها إليك تسكن . وقالت فرقة : هو مجاز أمره بالعزم على ما أمره به ، كما تقول العرب : أشدد

--> ( 1 ) سورة طه : 20 / 11 - 12 . ( 2 ) سورة النمل : 27 / 8 .